
عندما قال أمل دنقل أن الكتابة بالنسبة له بديل عن الانتحار, فإن الرجل قد سبقني في التعبير وإن لم يختلف عني في المعنى, فمنذ عام بالفعل كنت أشعر أني مقبل على الانتحار فإحباط كثير يحتويني حينها ويأس عظيم يحيط بحياتي, وكدت أنفجر من الغيظ فهناك بداخلي طاقة هائلة لا أعرف كيف أخرجها فالشيء الوحيد الذي أعرفه في هذا العالم هو القراءة والكتابة, والقراءة كنت هادنتها قليلاً عند شرائي للكمبيوتر, والكتابة كنت أحبها ولو أنني كنت-ولازلت- غير متقن لتلك الحرفة السامية التي تفرق بين الناس وبعضهم والناس والحيوانات, غير أنني بدأت الكتابة حتى أخرج ما في نفسي وقلبي من شعور زاد حتى كاد أن يقتلني, فلتخرج إذن تلك الأفكار ولتسكب تلك السطور على أضيفها لدفتر زمن مليء بكتابات جديرة بالحب والقراءة وأخرى تافهة ليس لها مأوى غير سلة المهملات.
فكتبت وبدأت حياةً جديدةً أروي ظمأها بالكتابة وأغني جوعها بالنقد وأشبع شهوتها بالتدبر, قد يكون في تلك الحياة الجدية لا أملك الصوت الكافي لأقول ما أريد أو الموهبة المتميزة التي تؤهلني لمركز متميز ولكني أملك رأس يفكر بطريقة غريبة نوعاً ما وعين ترى بشكل مختلف وأذن تستمع لأشياء خفية, فلهذا شعرت أني أصلح أن أكون كاتب ولو لنفسي فليس من واجبي أن أكتب للجميع أو لأحد ما, يكفيني أن أكتب لنفسي, وبصراحة تعجبني هذه الأنانية فأنا أفهم نفسي بشكل أفضل وبالتالي أفهم ما أدونه بشكل أفضل أيضاً.
لهذا لجأت للكتابة فأنا عندما أحب قد لا أملك القوة التي تدفعني للاعتراف لمن أحب ولكني أملك قوة القلم فأكتب وأصرخ كاتباً حبها, ناطقاً قلمي بديلاً عن لساني العاجز, لمصري أم لأمي أم لحبيبتي, فقلمي يعوض عجزي.
وألجأ للكتابة عندما أريد مصر قلبي أفضل ولا أعرف كيف وأري كل هؤلاء الحمقى يتسيدونها ولا أعرف كيف لا يقدرونها حق قدرها, وكيف لا يضعونها في مكانها الطبيعي, وكيف لا تكون هناك حيث القمر والحب والخير والرفاهية, وكيف لا تكون مصر بناسها وحواريها وأزقتها وبيوتها وعمائرها وأطفالها وعيونهم الجريئة, كل هؤلاء لا يكونون حيث من المفروض أن يكونوا, في عالم أفضل.
ألجأ للكتابة عندما أرى الغول ولا أستطيع أن أمسك عصاي وأطرده من حياتي وحياتنا جميعاً فأقول له حينئذٍ عينك حمرا يا غولة, قد يكون الكلام هرباً من الواقع, قد يكون خوفاً من المواجهة, ولكن الطبيب قال لي أُكتب فالكتابة بديل للانتحار.
فكانت المدونة ولم تكن لي وسيلة تواصل, أكثر من أن تكون وسيلة لحفظ ما أكتب ومواصلة الكتابة يومياً حتى لا تهرب مني أفكاري بعيداً, وسيلة لأن أبقى على قيد الحياة, قشة أمسك بها تنجيني من غرق في بحر الحياة فيملأ روحي تفاهات
فلهذا مر عام وأنا أكتب حياتي في دفتر الزمن فيا ليت الزمن يحفظ سطوري عني حين تغيب الشمس في الأفق وتنساني الأيام وينهال فوقي التراب ولا يبقى غير قول طبيبي...أُكتب فإن الكتابة بديل عن الانتحار.